محمد جمال الدين القاسمي

84

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقال الحاكم : هذه الآية تدلّ على أنّ من أكبر الذنوب عند اللّه أن يقال للعبد : اتّق اللّه ! فيقول : عليك نفسك . . قال الزمخشري : ومنه ردّ قول الواعظ . وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا ، قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ ، النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [ الحج : 72 ] . ولما أتمّ تعالى الإخبار عن هذا الفريق من الناس الضالّ ، أتبعه بقسيمه المهتدي . ليبعث العباد على تجنّب صفات الفريق الأول ، والتخلق بنعوت الثاني فقال : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 207 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ( 207 ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ أي : يبيعها ببذلها في طاعة اللّه ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ أي : طلب رضاه وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ حيث أرشدهم لما فيه رضاه ، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة ، مع كفرهم به ، وتقصيرهم في أمره . لطيفة : قال بعضهم : كان مقتضى المقابلة للفريق الأول أن يوصف هذا الفريق بالعمل الصالح مع عدم الدعوى والتّبجّح بالقول ، أو مع مطابقة قوله لعمله ، وموافقة لسانه لما في جنانه ! والآية تضمنت هذا الوصف وإن لم تنطق به . فإنّ من يبيع نفسه للّه ، لا يبغي ثمنا لها غير مرضاته ، لا يتحرّى إلّا العمل الصالح وقول الحقّ والإخلاص في القلب فلا يتكلم بلسانين ، ولا يقابل الناس بوجهين ، ولا يؤثر على ما عند اللّه عرض الحياة الدنيا . . . وهذا هو المؤمن الذي يعتد القرآن بإيمانه . . . و قد أخرج الحارث بن أبي أسامة في ( مسنده ) ، وابن أبي حاتم ورزين عن سعيد بن المسيّب قال : أقبل صهيب مهاجرا إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش ، فنزل عن راحلته ، وانتثل ما في كنانته ثم قال : يا معشر قريش ! لقد علمتم أني من أرماكم رجلا ، وأيم اللّه ! لا تصلون إليّ حتى أرمي كلّ سهم معي في كنانتي ثمّ أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء ، ثم افعلوا ما شئتم . وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة وخليتم سبيلي ؟ قالوا : نعم ! فلما قدم على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم المدينة قال : ربح